ويذيل الحق الآية بقوله تعالى: {وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} .
وعندما يصف الحق سبحانه الحياة التي نعرفها بأنها"دنيا"ففي ذلك ما يشير إلى أن هناك حياة توصف بأنها"غير دنيا"وغير الدنيا هي"العليا"، ولذلك يقول الحق فِي آية أخرى:
{وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64]
أي هي الحياة التي تستحق أن تُسمّى حياة ؛ لأن الدنيا لا يقاس زمانها ببدايتها إلى قيام الساعة ، لأن تلك الحياة بالنسبة للكون كله ، ولكن لكل فرد فِي الحياة دنيا ليس عمرها كذلك ، وإنما دنيا كل فرد هي مقدار حياته فيها. ومقدار حياته فيها لا يُعلم أهو لحظة أم يومٍ أم شهر أم قرن. وقصارى الأمر أنها محدودة حداً خاصا لكل عمر ، وحداً عاماً لكل الأعمار.
والمتعة فِي الدنيا على قدر حظ الإنسان فِي المتع ، فهي على قدر إمكاناته. فإذا نظرنا إلى الدنيا بهذا المعيار فإن متاعها يعتبر قليلاً ، ولهذا لا يصح ولا يستقيم أن يغتر الإنسان بهذه المتعة متذكراً قول الله:
{كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7]
فالغرور إذن أن تلهيك متعة قصيرة الأجل عن متعة عالية لا أمد لانتهائها ، فحتى لا يغتر عائش فِي الدنيا فيلهو بقليلها عن كثير عند الله فِي الآخرة يجب أن يقارن متعة أجلها محدود وإن طال زمانها بمتعة لا أمد لانتهائها ، متعة على قدر إمكاناتك ومتعة على قدر سعة فضل الله ؛ لذلك كانت الحياة الدنيا متاع غرور ممن غُرّ بالتافه القليل عن العظيم الجليل.