أَقُولُ: وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُسْتَشْرِقِينَ أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْعَرَبِ قَبْلَ الْقُرْآنِ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَهُ مِنَ التَّوْرَاةِ ، وَهُوَ زَعْمٌ بَاطِلٌ ، وَبِمِثْلِهِ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى اقْتِبَاسِ النَّبِيِّ مِنْ كُتُبِهِمْ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لَمَّا رَأَى حَمْزَةَ - عَلَيْهِ رِضْوَانُ اللهِ - مَقْتُولًا:"ذُقْ عُقُقُ"أَيْ ذُقْ عَاقِبَةَ إِسْلَامِكَ أَيُّهَا الْعَاقُّ لِدِينِ آبَائِكَ ، وَلِمَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْمِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ . نَعَمْ: إِنَّ أَصْلَ الذَّوْقِ هُوَ مَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ لِمَعْرِفَةِ طَعْمِ الطَّعَامِ ، ثُمَّ تَوَسَّعُوا فِيهِ فَاسْتَعْمَلُوهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ كَقَوْلِهِمْ:"ذُقْتَ الْقَوْسَ"إِذَا جَذَبْتَ وَتَرَهَا لِتَنْظُرَ مَا شِدَّتُهَا . وَقَوْلُهُمْ: ذُقْتَ الرُّمْحَ إِذَا غَمَزْتَهَا قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
يَهْزُزْنَ لِلْمَشْيِ أَوْصَالًا مُنَعَّمَةً ... هَزَّ الشَّمَالِ ضُحًى عِيدَانَ يَبْرِينَا
أَوْ كَاهْتِزَازِ رُدَيْنِيٍّ تَذَاوَقُهُ ... أَيْدِي التِّجَارِ فَزَادُوا مَتْنَهُ لَيِنَا
كَذَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ . وَفِي الْأَسَاسِ"أَيْدِي الْكُمَاةِ"بَدَلَ"أَيْدِي التِّجَارِ"، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الذَّوْقُ يَكُونُ بِالْفَمِ ، وَبِغَيْرِ الْفَمِ ، ثُمَّ اسْتَعْمَلُوهُ فِي الْمَعَانِي ، قَالَ ابْنُ طُفَيْلٍ:
فَذُوقُوا كَمَا ذُقْنَا غَدَاةَ مُحَجَّرٍ ... مِنَ الْغَيْظِ فِي أَكْبَادِنَا وَالتَّحَوُّبِ