أعماله المتفرِّقة دفعة ، ومن حمله على التشبيه فإنه ذكر أن نقص
القريحة والسهو والنسيان الموجودة فينا فِي الدنيا معدومة عنّا في
الآخرة ؛ فلا حاجة بنا إلى الكتابة ، وحينئذ قال: وعلى ذلك وصف
الكتابة بالنطق فِي قوله: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) .
وقوله: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) وعلى هذا سمّى
الوحي كتابا ، فقال: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ) ، ومعلوم أن
المنزل لم يكن وقت الإِنزال مكتوبا ، قال: وعلى هذا معنى قوله:
تعالى (كِرَامًا كَاتِبِينَ) أي حافظين ، وقال: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) .
قال: وعلى هذا قول الشاعر:
صحائف عندي للعتاب طويتها ... ستُنشر يوماً والعتاب يطول
وهذا القول وإن كان له مساغ فِي مجاز اللغة ، فأهل الأثر
على الوجه الأول ، والله أعلم بحقائق أحوال القيامة ، ومعنى
(وَنَقُولُ ذُوقُوا) أي نُذَوِّقهم ذلك ، ونوجب لهم.
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(182)
أي نكتب ما قالوا ونعاقبهم عليه جزاء لما ارتكبوه.
إن قيل: لِمَ خصّ اليد ، وفيما ذكره عنهم أفعال بغيرها من الجوارح ؟
قيل: لما كانت اليد هي الآلة الصانعة المختصة بالإِنسان ، فإنه لما
كفى كل واحد من الحيوانات بما احتاج إليه من الأسلحة
والملابس ، وسخّره لاستعمالها فِي الدفع عن نفسه ، وخلق
الإِنسان عارياً من كل ذلك ، جعل له الرؤية واليد الصانعة.
ليعلم برؤيته ، وليعمل بيده فوق ما أعطى الحيوانات ، فلما كان
لليد هذه الخصوصية صارت تُخص بإضافة عمل الجملة إليها.
إن قيل: لِمَ خص لفظ ظلَّام الذي هو للتكثير فِي نفي
الظلم فِي هذا المكان ، ولم يقل على ما قال فِي قوله: (لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) ، الذي هو يقتضي نفي الظلم قليله وكثيره ؟