ما جاء به حقًّا لَصَدّق به مَن أتاه من العقلاء، وبيان أنهم إن كَذَّبوهُ،
فالتكذيب عادة للأمم، وسائر الرُّسُل قد كُذّبوا كما كُذِّب.
وقوله تعالى: {وَالزُّبُرِ} .
معناه: الكُتُب. وهو جَمْعُ (زَبُور) . والزَّبُور: الكتاب؛ بمعنى: المَزْبُور؛ أي: المكتوب. يقال: (زَبَرْتُ الكِتَابَ) ؛ أي: كتبته. وكُلُّ كِتَابٍ زَبُورٌ.
قال امرؤ القيس:
لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجانِي ... كَخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبِ يَمَانِ
وقال الزّجاج: الزَّبُور: كلُّ كِتَابٍ ذي حِكْمَةٍ. وعلى هذا، يُشْبِهُ أنْ يكونَ معنى الزَّبُورِ، مِنَ: (الزَّبْرِ) ، الذي هو: الزَّجْر. يقال: (زَبَرْتُ الرجلَ، أزْبُرُهُ زَبْرًا) : إذا زَجَرْتُه مِنَ الباطل. وسمّي الكتاب: (زَبُورًا) ؛ لما فيه من الزَّبْر عن خلاف الحق. وبه سُمِّي زَبُورُ داود؛ لِكثرة ما فيه من المَزَاجِرِ، والمواعظ.
وقرأ ابنُ عامر:
{وَبِاَلزُّبُرِ} ، ووجهه أنه أعاد الباءَ، وإنْ كانَ مُسْتَغْنًى عنه؛ لِضَرْبٍ
من التأكيد. ومما جاء على قياس هذه القراءة، قولُ رُؤبَة:
يا دارَ عَفْراءَ وَدارَ البَخْدَنِ
فَكَرَّرَ الدارَ، والدار واحدةٌ لهما. يدلك على ذلك: قوله:
فيكِ المَهَا مِنْ مُطْفِلٍ ومُشْدِنِ
ولم يقل: فيكما. فكذلك كرَّرَ ابنُ عامر الباءَ، وكلا الوجهين - مِن تكرير الباءِ وحَذْفِهِ - حَسَنٌ عربيٌّ.
ومعنى قوله: {جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ} إلى آخرها؛ أي: بالمعجزات، وكتب المَزَاجِرِ، و {الْكِتَابِ} الهادي إلى الحق.