وهذا القول يدل على أنه ساعة يرى الإنسان ما كتب فِي الكتاب سيعرف أنه منه ، وإذا كنا نحن الآن نسجل على خصومنا أنفاسهم وكلماتهم أتستبعد على من علمنا ذلك أن يسجل الأنفاس والأصوات والحركات بحيث إذا قرأها الإنسان ورآها لا يستطيع أن يكابر فيها أو ينكرها ؟ {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} وهم قالوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} وهذا معصية فِي القمة ، وتبجح على الذات العلية ، ولم يكتفوا بذلك بل قتلوا الأنبياء الذين أرسلهم الله لهدايتهم ؛ لذلك يقول الحق: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} .
وعندما يأتي هذا النبأ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو تسلية له من الحق سبحانه. لقد قالوا فِي ربك يا محمد ما قالوا ، وقتلوا الأنبياء إخوانك ، فإذا صنعوا معك ما صنعوا فلا تحزن فسوف يُجازَوْن على ما كتبناه عليهم بشهادة أنفسهم ، ونقول: ذوقوا عذاب الحريق. والحريق يصنع إيلاماً إحساسياً فِي النفس.
والإحساس يختلف من حاسة إلى أخرى ، فمرة يكون الإحساس بالبصر ، ومرة بالأذن ، ومرة بالشم أو باللمس أو بالذوق.
والذوق هو سيد الأحاسيس ، فهو لا يضيع من أحد أبداً ، فقد نجد إنساناً أعمى ، وآخر أصم ، أو شخصاً ثالثاً أصيب بالشلل فلا تستطيع يده أن تلمس ، وقد يصاب واحد بزكام مستمر فلا يصبح قادراً على الشم ، أما الذوق فهو حاسة لا تختفي من أي إنسان ، لذلك أن الذوق أمر من داخل الذات ؛ لذلك فهو أبلغ فِي الإيلام. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول:
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]