فأغفل قارئ ذلك وجه الصواب فيما قصد إليه من تأويل القراءة التي تُنسب إلى عبد الله، وخالف الحجة من قرأة الإسلام. وذلك أن الذي ينبغي لمن قرأ:"سيكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء"على وجه ما لم يسم فاعله، أن يقرأ:"ويقال"، لأن قوله:"ونقول"عطف على قوله:"سنكتب". فالصواب من القراءة أن يوفق بينهما فِي المعنى بأن يقرآ جميعًا على مذهب ما لم يسم فاعله، أو على مذهب ما يسمى فاعله. فأما أن يقرأ أحدهما على مذهب ما لم يسم فاعله، والآخر على وجه ما قد سُمِّي فاعله، من غير معنى ألجأه على ذلك، فاختيار خارج عن الفصيح من كلام العرب. (1)
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فِي ذلك عندنا:"سَنَكْتُب"بالنون"وقَتْلَهُمْ"بالنصب، لقوله:"وَنَقُول"، ولو كانت القراءة في"سيكتب"
بالياء وضمها، لقيل:"ويقال"، على ما قد بيّنا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري حـ 7 صـ 445 - 446}
فصل
قال الفخر:
هذا وعيد على ذلك القول وهو يحتمل وجوها:
أحدها: أن يكون المراد من كتبه عليهم إثبات ذلك عليهم وأن لا يلغى ولا يطرح، وذلك لأن الناس إذا أرادوا إثبات الشيء على وجه لا يزول ولا ينسى ولا يتغير كتبوه، والله تعالى جعل الكتبة مجازا عن إثبات حكم ذلك عليهم.
الثاني: سنكتب ما قالوا فِي الكتب التي تكتب فيها أعمالهم ليقرؤا ذلك فِي جرائد أعمالهم يوم القيامة، والثالث: عندي فيه احتمال آخر، وهو أن المراد: سنكتب عنهم هذا الجهل فِي القرآن حتى يعلم الخلق إلى يوم القيامة شدة تعنت هؤلاء وجهلهم وجهدهم فِي الطعن فِي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما قدروا عليه. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 96}
(1) اعتراض فِي غير موضعه فالقراءة متواترة ومن ثم فلا قيمة لهذا الاعتراض، فكيف تخطأ قراءة متواترة قرأ بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟؟!!! والله أعلم.