ولمَّا كان يدور بخلد بعض الناس أن أقرب وسيلةٍ لتمييز المؤمن الصادق من المنافق أن يطلع المؤمنين على الغيب، حتى يعرفوا حقائق أنفسهم، وحقائق الناس الذين يعيشون بين ظهرانيهم، فيعرفوا أن فلانًا من أهل الجنة، وفلانًا من أهل النار، أجاب الله تعالى عن هذا فقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {لِيُطْلِعَكُمْ} ويظهركم أيها الناس، وقيل: الخطاب فيه لكفار قريش فقط، {عَلَى الْغَيْبِ} ، أي: على ما شأنه أن يغيب ويختفي عنكم حتى تميزوا بين الخبيث والطيب، فإن الله سبحانه وتعالى هو المستأثر بعلم الغيب لا يظهر علي غيبه أحدًا {وَلَكِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {يَجْتَبِي} ، ويختار {مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} ، ويريد إطلاعه على الغيب، فيطلعه على ما يشاء من بعض المغيبات كما وقع لنبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - من تعيين كثيرٍ من المنافقين، فإن ذلك كان بتعليم من الله له، لا لكونه يعلم الغيب. وقيل المعنى. وما كان الله ليطلعكم على الغيب في من يستحق النبوة، حتى يكون الوحي باختياركم. وفي"الفتوحات"قوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي} الخ هذا استدراكٌ على معنى الكلام، المتقدم؛ لأنه لما قال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} توهم أنه لا يطلع أحدًا على غيبه لعموم الخطاب، فاستدراك بالرسل إزالةً لذلك الوهم، كأنه قال: إلا الرسل فإنه يطلعهم على الغيب.
والحاصل: أنه لم يكن من شأنه تعالى أن يطلع عامة الناس على الغيب؛ إذ لو فعل ذلك .. لأخرج الإنسان من طبيعته، فإنه تعالى خلقه يحصل رغائبه، ويدفع المكاره عنه بالعمل الكسبيّ، الذي تهدي إليه الفطرة، وترشد إليه النبوة.