قَدْ يَخْطُرُ فِي الْبَالِ أَنَّ أَقْرَبَ وَسِيلَةٍ لِرَفْعِ اللَّبْسِ هِيَ أَنْ يُطْلِعَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْغَيْبِ فَيَعْرِفُوا حَقِيقَةَ أَنْفُسِهِمْ ، وَحَقَائِقَ النَّاسِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ مَعَهُمْ ، وَلَكِنَّ اللهَ - تَعَالَى - أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ ، وَلَا مَنْ سُنَنِهِ ، كَمَا أَنَّ تَرْكَ الِالْتِبَاسِ وَالِاشْتِبَاهِ لَيْسَ مِنْ سُنَّتِهِ ، فَقَالَ: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِ إِطْلَاعُ النَّاسِ عَلَى الْغَيْبِ ; لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَأَخْرَجَ بِهِ الْإِنْسَانَ عَنْ كَوْنِهِ إِنْسَانًا ، فَإِنَّهُ - تَعَالَى - خَلَقَ الْإِنْسَانَ نَوْعًا عَامِلًا يُحَصِّلُ جَمِيعَ رَغَائِبِهِ ، وَيَدْفَعُ جَمِيعَ مَكَارِهِهِ بِالْعَمَلِ الْكَسْبِيِّ الَّذِي تُرْشِدُهُ إِلَيْهِ الْفِطْرَةُ وَهَدْيُ النُّبُوَّةِ ; وَلِذَلِكَ جَرَتْ سُنَّتُهُ بِأَنْ يُزِيلَ هَذَا اللَّبْسَ وَيَمِيزَ بَيْنَ الْخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ بِالشَّدَائِدِ ، وَمَا تَتَقَاضَاهُ مِنْ بَذْلِ الْأَمْوَالِ ، وَالْأَرْوَاحِ فِي سَبِيلِهِ الَّتِي هِيَ سَبِيلُ الْحَقِّ ، وَالْخَيْرِ لَا سَبِيلَ الْهَوَى ، كَمَا ابْتَلَى
الْمُؤْمِنِينَ فِي وَقْعِهِ أُحُدٍ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ ، وَابْتَلَاهُمْ بِاخْتِيَارِ الْخُرُوجِ لِمُحَارَبَتِهِ ، وَابْتَلَى الرُّمَاةَ مِنْهُمْ بِالْمُخَالَفَةِ ، وَإِخْلَاءِ ظُهُورِ قَوْمِهِمْ لِعَدُوِّهِمْ ، ثُمَّ ابْتَلَاهُمُ بِظُهُورِ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ جَزَاءً عَلَى مَا ذَكَرَ حَتَّى ظَهَرَ نِفَاقُ الْمُنَافِقِينَ ، وَزِلْزَالُ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَثَبَاتُ كَمَلَةِ الْمُوقِنِينَ .
وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ أَيْ يَصْطَفِيهِمْ فَيُطْلِعُهُمْ عَلَى مَا شَاءَ مِنَ