ثُمَّ إِنَّ فِي الْآيَةِ مِنْ مَوَاضِعِ الْعِبْرَةِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْكَافِرِ أَنْ يَزْدَادَ كُفْرًا بِطُولِ الْعُمُرِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ عَلَى شَاكِلَتِهِ ، وَبِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهِ ، وَيُقَابِلُهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ كُلَّمَا طَالَ عُمُرُهُ كَثُرَتْ حَسَنَاتُهُ ، وَازْدَادَتْ خَيْرَاتُهُ ، فَعَسَى أَنْ يَتَّخِذَ هَذَا مِيزَانًا مِنْ مَوَازِينِ الْإِيمَانِ ، وَمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ ، فَإِنَّهُ مِمَّا يَذْهَبُ بِالْغُرُورِ ، وَيُخْرِجُ الَّذِي فَقِهَهُ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ .
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنَّمَا الْأُولَى الْمَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ كُتِبَتْ فِي الْمَصَاحِفِ مُتَّصِلَةً"أَنَّ"فِيهَا"مَا"اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ الْإِمَامِ ، وَيَجِبُ بِحَسَبِ فَنِّ الرَّسْمِ فَصْلُهَا ، وَ"مَا"هَذِهِ مَصْدَرِيَّةٌ عَلَى مَا جَرَيْنَا عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ . وَقِيلَ: مَوْصُولَةٌ ، وَهِيَ مَعَ صِلَتِهَا فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى"الَّذِينَ"إِلَّا بِتَأْوِيلٍ كَتَقْدِيرِ مُضَافٍ ، أَوْ حَالٍ ، وَذَهَبَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ إِلَى تَرْجِيحِ الْبَدَلِيَّةِ ، وَقَالُوا فِيهِ: إِنَّ الْبَدَلَ مَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ ، وَهُنَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِغْنَاءُ . وَأَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأَنَّ عَدَمَ الِاسْتِغْنَاءِ مُتَعَيِّنٌ فِي الْمَعْنَى لَا فِي اللَّفْظِ . ذَكَرَ ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ ، وَقَالَ: الْحَقُّ أَنَّهُ يُتَسَامَحُ فِي أَنَّ الْمَصْدَرِيَّةِ وَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَا لَا يُتَسَامَحُ فِي الْمَصْدَرِ نَفْسِهِ ، وَلَا حَاجَةَ فِي الْآيَةِ إِلَى تَقْدِيرٍ .