بأجمعه، بخلاف من قال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ)
وإلى ذلك الإِشارة بقوله: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) وتحقيق التمييز من الله لا على سبيل التعرف، بل ليحصِّل الخبيث خبيثاً والطيب طيبا، وذلك حقيقة التكليف، وقد كرر الله تعالى هذا المعنى مع كل فصل، فقال:
(وَلِيَعلَمَ) ، (وَليَبتَليَ) و، (وَليمحصَ) و (لِيَمِيزَ) .
وقال من بعد: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ) ، كل ذلك
تنبيهاً على أن التكليف فِي الحقيقة هذه الأشياء، وأما الغيب فكل
ما لا تدركه الحواس وبداهة العقول، وهذا على القول
المجمل ثلاثة أضرب: ضربٌ استبد تعالى به ولم يُطلع عليه
أحداً لا الملائكة المقربين، ولا من دونهم، لاستغنائهم عنه.
وضرب قد يُطلِع عليه أصفياء عباده، وهو حقائق العلوم، وذلك
بحسب ما عُرف من حاجتهم إليه ومصلحتهم فيه، وإياه عنى
بقوله: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) .
وبيّن فِي الآية أن اطلاع العامة على غيبه وأقضيته
منافٍ للحكمة، وذلك أن جماعة من الكفار سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: هل نحن ممن يؤمن؟
ثم قال: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) تنبيهاً
على التوكل على الله وحُسن الظن بنبيه، والتحقق أنه يفعل بعباده
ما هو أصلح لهم، وأنّ بالإِيمان والتقوى يُستحق الأجر العظيم.
قوله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(180)
قُرئ بالياء على تقدير: لا يحسبن الباخلون البخل هو خير
لهم، فحذف البخل الذي هو المقعول الأول، لدلالة (يبخَلونَ)