الكلام على الترتيب، والمفعول هو (أَنَّمَا) وجعل اللام لام
العاقبة، وتحقيق لام العاقبة هو أن اللام تارة تجيء تبييناً لقصد
الفاعل بفعله نحو (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .
وتارة تبييناً لما أدى إليه الفعل، لا لقصد الفاعل، نحو (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) .
إن قيل: لِمَ قال هاهنا: (عَذَابٌ مهِين) ؟
قيل: لما ذكر هاهنا إملاء الإِنسان فِي الأعراض الدنيوية.
وذلك قد يكون فِي الدنيا هواناً وعذاباً
لصاحبه، وهو لفقدان بصيرته يقدر أن الهوان فِي فقدانه فلا يُفرج
عنه؛ ذكر الهوان الذي هو أعمُّ الألفاظ الثلاثة من (العَظِيم)
و (اَلأَليم) و (ألمُهِينِ) ليعم الدارين، وعلى هذا قال:
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .
قوله تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(179)
الخبيث: مستعار للعمل السيئ، والطيّب: للعمل الصالح
تشبيهاً للذِكر المسموع بالنشر المشموم، وعلى هذا قال الشاعر:
تبحثت عن أخباره فكأنما... نبشت صدأه بعد ثالثة الدفن
وقال اَخر:
... ثناء مثل ريح الجورب
وعلى هذا حمُل (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) ، (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ)
أي الأعمال فِي الخبث والطيب جارية مجرى فاعليها، وقيل: المؤمن
أطيب من عمله، والكافر أخبث، والاجتباء: كالاصطفاء،
وأصله الجمع، فكأن من اجتباه الله ضمَّه إلى نَفْسِه حتى يكون له