وقوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أكثرُ المفسِّرينَ على أنَّ معناه: يُجْعَلُ ما بَخِلَ به مِنَ المَالِ حَيَّةً، يُطَوَّقها يومَ القيامة في عُنُقِهِ، تَنْهَسُهُ مِنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ.
يَدُلُّ على هذا ما روى ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال:"ما مِن رَجُلِ لا يُؤدِّي زكاةَ مالِهِ إلاّ جُعِلَ له شُجاعٌ في عنقِه يومَ القيامة"، ثُمَّ قَرَأ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مِصْدَاقَهُ مِنْ كتاب الله {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وقال إبراهيم النَّخَعِي: معناه: يُجعَل يوم القيامة في أعناقهم، طَوْقٌ مِن نارٍ.
أخبرنا إسماعِيل بن أبي القَاسِم الصوفي، أَبَنَا أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن علَّك الجَوْهري، بِمَرْو، ثنا عبد الله بن محمود السَّعْدِي، ثنا موسى بن بحر، ثنا عَبِيدة بن حُمَيْد , حدّثَنِي منصور، عن إبراهيم - في قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} - ، قال: (يُطَوَّقون بِطَوْقٍ منْ نار) .
وعلى هذا التَّفْسِير، يجعَل ما بَخِلُوا به مِنْ المال، طَوْقًا مِنْ نارٍ، كما جُعِلَ في التفسير الأوَّلِ حَيَّة.
وقال المُؤَرج: معناه: يُلزَمُون أعمالَهم، مِثْل ما يَلْزم الطوقُ العنقَ. والعربُ تكني بالتطويق عن الإلْزام؛ ومنه قراءة مَن قرأ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} [البقرة: 184] ،؛ أي: يَتَكَلَّفُونَه، وُيلْزَمُونَه. يُقال: (طُوِّقَ فلانٌ عَمَلَهُ، مثلَ طَوْقِ الحَمَامَةِ) .
قال ابنُ الأنباري: معناه - على هذا التفسير -: سَيُطَوّقُونَ جَزَاءَ ما بخلُوا به. وذِكْرُ التَّطْوِيق - ههنا - على جهة المَثَلِ، كِنَايَةً عن الإلزام، لا على أنَّ ثَمَّ أطواقًا.