وقيل في سبب نزول قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} : إنّ المشركين أنكروا نُبُوَّةَ محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقالوا: ما بالنا نحن لا نكون أنبياء، فإنَّا أكثرُ أموالًا وأولادًا؟ فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} ؛ أي: لم يكن ليوحي إليكم فيجعلكم بمنزلة الرُّسُل، بظنِّكُم عند أنفسكم أنكم مستحقون ذاك، بل يُنَبِّئ مَنْ يَراهُ أهلًا للخصوصية والتشريف.
وهذا معنى قولِ أبي إسحاق، وابن الأنباري.
قال ابن الأنباري: وأوَّلُ الآية يدل على هذا، ويمكن حمله على هذا التفسير؛ وهو: أنهم أنكروا نُبُوَّةَ محمد، وما يدعوا إليه مِنْ تَرْكِ دينِ الآباءِ والأجداد. فأعلم الله - تعالى - أنه لم يكن لِيَدَعَ المؤمنين على ما عليه الكفارُ مِنَ العَمَى والحَيْرة، حتى يَنْتاشَهم ويستنقذهم من المهالك، بإرساله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ، وإعطائه إيَّاه مِنَ الدَّلائِلِ ما يكَون عَلَما لِصِدْقِهِ، وسببًا لانقياد، [الناس] إلى متابعته.
فهذه أربعة أوجُهٍ مِنَ التفسير، في هذه الآية.
فقوله: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ} ، هذه اللام يُسمِّيها بعضُ أهل النحو، لامَ الجَحْد؛ كما تقول: (ما كنت لأفعل ذلك) . وهي في تأويل (كي) ؛ ولذلك نَصَبَتْ ما بعدها.
وذكرنا الكلام في (يَذَر) عند قوله: {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} .
قوله تعالى: {حَتَّى يَمِيزَ} .
فيه قراءتان: التشديد والتخفيف. وهما لغتان. يقال: (مِزْتُ الشيء َ بَعْضَهُ عن بَعْض) ، فأنا (أمِيزُهُ مَيْزًا) ، و (مَيّزْتُهُ تمييزًا) . ومنه الحديث:"مَن مَازَ أذًى عن طريق، فهو له صدقة".
وقال الشاعر:
تنفِي رُضَاضَ الحَصَا مَنَاسِمُها ... كَمَا يَمِيزَ الزُّيُوفَ مُنْتَقِدُ