فأنزل الله - تعالى - مجيبًا لهم -: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} أي: ما كانَ اللهُ لِيَدَعَ المؤمِنَ، على ما عليه الكافرُ. وأَعْلَمَ أنَّ حُكْمَ مَنْ كَفَر، أن يقال: أنه مِن أهل النار، ومَنْ آمَنَ: فهو من أهل الجَنَّة.
ومعنى: {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} - على هذا التفسير -: حتى يُفَرِّقَ بين المؤمن والكافر؛ بالحُكْمِ لِلْمُؤْمِنِ بالجَنَّةِ، ولِلكافر بالنار.
والخِطاب في قوله: {أَنتُمْ} - على هذا الوجْهِ - ، للمشركين.
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} أي: وما كان اللهُ لِيُخْبِركم بإسلامِ مَنْ يُسْلِم قبل أن يُسْلِم؛ فَيَدُلكم على غَيْبِهِ؛ وذلك أنهم سألوا أن يُعرَّفوا ذلك.
وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} : أي: يختارُ مِنَ الرُّسُل مَن يشاء بالغيب، فيُطْلِعُه على بعض عِلْمِ الغيب؛ كقوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن:26 - 27] ، الآية.
قال الزّجاج: وإنما يُطْلِعُ الرسلَ على الغيب؛ لإقامة البرهان في أنهم رُسُلٌ، وأنَ ما أتَوا به مِن عند الله.
ومعنى قوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} ؛ أي: بالغيب. فَحذف ذلك للعلم به؛ وذلك لاستثناء الرسولِ مِمَّن لا يُطلَعُ على الغيب.
وهذا قول جماعةٍ مِنَ المفسرين، واختيار الفرّاء والزّجاج. والآية مطَّرِدَة على هذا التفسير.
وقال مجاهد، ومحمد بن إسحاق: نزلت الآية في المنافقين، وتمييزهم عن المؤمنين، و - على هذا التفسير - الخطابُ للمؤمنين في قوله: {أَنْتُمْ} ، رَجَعَ من الخَبَر عن المؤمنين إلى مخاطبتهم.