أحدهما: أن يَكون بمعنى (الذي) ، فيكون التقدير: لا يحسبن الذين كفروا أن الذي نمليه خيرٌ لأنفسهم، وحَذَفَ (الهاء) مِنْ {نُمْلِي} ؛ لأنه يجوز حذفُ الهاء مِنْ صِلَةِ (الذي) ؛ كقولك: (الذي رأيتُ زيدٌ) .
والآخر: أن يَكون (ما) بمنزلة الإملاء، فيكون مصدرًا، وإذا كان مصدرًا، لم تقتض راجعًا إليها.
وقوله تعالى: {نُمْلِي لَهُمْ} .
معنى {نُمْلِي} - في اللغة -: نُطِيل، ونُؤَخِّر. والإملاء: الإمهال والتأخير. واشتقاقه من (المِلْوَة) ، وهي: المُدَّة من الزمان. يقال: (مِلْوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ) ، و (مُلْوَةٌ، ومَلْوَةٌ، ومِلاَوَةٌ، ومَلاَوَةٌ، ومُلاَوَةٌ) ، بمعنًى.
قال العَجَّاج:
وقد أُرَانِي لِلغَوَانِي مِصْيَدا ... مُلاوَةً كأنَّ فَوْقِي جَلَدا
ومنه قولُ العَرَبِ: (الْبَسْ جَدِيدا، وتَمَلَّ حبيبًا) ؛ أي: لِتطل أيَّامك معه. وقال مُتَمِّم:
بِودَّيَ أَنّي لو تَمَلَّيْتُ عُمْرَهُ ... بِمَالِيَ مِنْ مالٍ طَريفٍ وتَالدِ
وقال الأصمعي: (أمْلَى عليه الزمانُ) ؛ أي: طال عليه. و (أملَى له) ؛ أي: طَوَّل له، وأمهله.
قال أبو عبيدة: ومنه: (المَلاَ) : الأرض الواسعة الطويلة.
قال ابن عباس - في قوله: {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} -: يريد: تماديهم في معاصي الله.
وقوله تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} قال ابن الأنباري: قال جماعة من أهل العلم: أنزل الله عز وجل هذه الآية في قوم يعاندون الحق، سَبَقَ في علمه أنهم لا يؤمنون، فقال: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} بمعاندتهم الحقَّ، وخِلاَفِهِم الرسولَ.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا رأيتَ اللهَ يُعْطِي على المعاصي، فإنَّ ذلك استدراجٌ مِنَ اللهِ لِخَلْقِهِ) ، ثم تلا هذه الآية.
ونحو هذا، قال الزّجاج: إن هؤلاء قومٌ، أعلَمَ اللهُ نبيَّه أنهم لا يؤمنون أبدًا، وأن بقاءهم يزيدهم كفرًا وإثما.