مثال ذلك إن ضاعت من أحدكم حافظة نقوده ، وسارقها غيب ، ومكانها غيب عن صاحبها ، لكن الذي سرقها عارف بمكانها ، إذن فهذا غيب على المسروق ، ولكنه ليس غيباً على السارق. لأنه ليس غيباً مطلقاً ، وهذا ما يضحك به الدجالون على السذج من الناس ، فبعض من الدجالين والمشعوذين قد يتصلون بالشيطان أو الجن ؛ ويقول للمسروق حكاية ما عن الشيء الذي سُرق منه هؤلاء المشعوذون لا يعرفون الغيب ؛ لأن الغيب المطلق هو الذي لا يعلمه أحد ، فقد استأثر به الله لنفسه.
ومثال آخر: الأشياء الابتكارية التي يكتشفها البشر فِي الكون ، وكانت سراً ولكن الله كشف لهم تلك الأشياء ، وقد يتم اكتشافها على يد كفار أيضاً. فهل قال أحدٌ: إنهم عرفوا غيباً ؟ لا ؛ لأن لمثل هذا الغيب مقدمات ، وهم بحثوا فِي أسرار الله ، ووفقهم سبحانه أن يأخذوا بأسبابه ما داموا قد بذلوا جهداً ، والله يعطي الناس - مؤمنهم وكافرهم - أسبابه. وما داموا يأخذون بها فهو يعطيهم المكافأة على ذلك. ولله المثل الأعلى ، وسبحانه منزه عن كل تشبيه ، أقول لكم هذا المثل للتقريب:
المدرس الذي يعطي تمرين هندسة للتلميذ ليقوم بحله ، فهل مجيء الحل غيب. ؟ لا ؛ لأن التلميذ يعرف كيف يحل التمرين الهندسي ؛ لأن فيه المعطيات التي يتدبر فيها بأسلوب معين فتعطى النتيجة. وما دام التلميذ يخرج بنتيجة لتمرين ما بعد معطيات أخذها ، فذلك ليس غيباً.
ولذلك فعلينا أن نفطن إلى أن الغيب هو ما غاب عن الكل ، وهذا ما استأثر الله بعلمه وهو الغيب المطلق ، وهو سبحانه وتعالى يطلع عليه بعضاً من خلقه من الرسل ، وهو سبحانه القائل:
{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 26 - 27]
وأما الأمر المخفي فِي الكون ، وكان غيباً على بعض من الخلق ثم يصبح مشهداً لخلق آخرين فلا يقال إنه غيب ، وعرفنا ذلك أثناء تناولنا بالخواطر لآية الكرسي: