فلا يكتفي بإخبار النبي بأمر الخبثاء فقطـ ، ولكنه يكشف الخبثاء بفعل واقعي. فيقول: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} ؛ لأن الله لو أطلعكم على الغيب لتعرفوا المنافقين لأنكروا أنفسهم منكم وستروها عنكم ، ولذلك يجري سبحانه الوقائع لتكشف الخبيث من الطيب ، وبعد ذلك يوصم المنافق بالنفاق بإقرار نفسه وإقرار فعله.
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} . إنه جل وعلا يختار من رسله من يشاء ليطلعهم على بعض الغيب حتى يزدادوا ثقة فِي أن الله لا يتخلّى عنهم ، أي يعطي للرسول دلالات على المنافقين ، حتى يزداد الرسول ثقة فِي أن الله لا يتخلّى عنه.
والله برحمته لا يكشف الغيب لكل المؤمنين ، فلو اطلع المؤمن على الغيب لفسدت أمور كثيرة فِي الكون. وَهَبْ أن الله أطلع الإنسان على غيب حياته ، فعرف الإنسان ألف حادثة سارة ثم حادثة واحدة مكدرة ؛ فإن كدر الإنسان بالحادثة الواحدة المكدرة التي تقع بعد عشرين عاماً يفسد على الإنسان تنعمه بالأحداث السارة.
وإن كان الإنسان يريد أن يطلع على غيب الناس فهل يقبل أن يطلع على غيبه أحد ؟ فلماذا تريد أيها الإنسان أن تعرف غيب غيرك ؟ أيرضى أي واحد منا أن يعرف الناس غيبه ؟ لا. إذن فستر المعلومات عن الناس وجعلها غيباً هي نعمة كبرى.