يلاحظ أن في هذه الفقرة نهيين موجهين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهما للأمة كلها. النهي الأول: نهي عن تصور أن الشهداء أموات، والنهي الثاني: نهي عن الحزن على من كفر بعد إيمان، والصلة بين هذا وبداية المقطع السابق عليه واضحة، إذ في بداية المقطع السابق نهي عن أن نكون كالذين كفروا في تصوراتهم حول موضوع الموت والقتل، وهو موضوع يكفر بسببه من يكفر بعد إيمان، ومن ثم كان النهي الأخير له علاقة بهذا الموضوع. والفقرة كما هي مرتبطة بقسمها في سياقه الخاص، فهي مرتبطة بالسياق القرآني العام إذ هي توضيح لقضايا إيمانية وكفرية ونفاقية، وهو السياق العام لسورة آل عمران المرتبطة بمقدمة سورة البقرة وامتداداتها.
المعنى الحرفي:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً الخطاب مباشرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خطاب لكل أحد بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. أي: بل هم أحياء عند ربهم، مقربون عنده، ذوو زلفى، يرزقون مثل ما يرزق سائر الأحياء، يأكلون ويشربون. وذكر الرزق بعد ذكر الحياة تأكيد لكونهم أحياء، ووصف لحالهم التي هم
عليها من التنعم برزق الله. وشرط هذه الحال: أن يكون القتل في سبيل الله، أي: من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا كما قال عليه السلام: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» .
ثم وصف الله - عزّ وجل - حالهم في حياتهم ورزقهم:
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من توفيقه لهم للشهادة، وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم من كونهم أحياء مقربين، معجلا لهم رزق الجنة ونعيمها، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ. أي: ويستبشرون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يقتلوا بعد فيلحقوا بهم. بل بقوا خلفهم يتابعون جهادهم.