بعد أن خرج أولئك الأبرار الأطهار، وقد استعدوا إلى اللقاء عادوا من بدر إذ لم يجدوا، فمعنى انقلبوا عادوا. والانقلاب في العودة تصوير للحال الحسية عند العودة، لأنهم بعد أن كانوا مستقبلين بدرا استدبروها وبعد أن استدبروا استقبلوها، وهذا التعبير يدل على أنهم عادوا كما خرجوا لم يقتلوا ولم يقاتلوا، ولكن صحبهم في هذه العودة أمور أربعة: أولها - نعمة الله عليه إذ خذل أعداءهم وثبطهم وألقى الرعب في قلوبهم وأحسوا بأنهم وحدهم لَا قِبَلَ لهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه، ولذلك لما عادوا إلى القتال ومحاولة ضرب المدينة ضربة قاصمة جمعوا العرب بشتى قبائلهم في غزوة الأحزب في العام الثاني، وثانيها - الفضل من الله، وقد فسر كثيرون الفضل بأنه فضل مالي؛ لأن المسلمين لما لم يجدوا قتالا اتجروا في بدر، ويروى أن عيرا كبيرة مرت ببدر في هذا الموسم من سوقها فاشتراها النبي - صلى الله عليه وسلم - فربح مالا، وقسمه بين أصحابه وذلك الربح هو الفضل، وقد روى البيهقي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ولا مانع من أن نعتبر ذلك الفضل معنويا، وهو فضل الجهاد والنية المحتسبة وقد باعوا أنفسهم لله تعالى، ولعل الأولى أن نقول: إن الفضل يشمل النوعين الربح المالي، والشرف المعنوي، وكلاهما قد نالوه.
وثالث الأمور - أنهم عادوا سالمين، وهذا معنى: (لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) أي لم تنزل بهم جراح، بل إنه حتى الأمر الذي يسوءهم لمْ يمسَسْهم بل قد عادوا
فرحين مستبشرين، ورابع الأمور - أنهم اتبعوا رضوان الله، أي اتبعوا أمر الله تعالى، وساروا في الطريق الذي يكون فيه رضوانه تبارك وتعالى، ورضوان الله أعظم ما يناله المؤمن، وحسبه أن يكون في عمل فيه رضوان الله الذي هو أكبر النعم لينال حظي الدنيا والآخرة، وإن هذه النعم التي نالوها هي من فضل الله تعالى: