وأما أن لا يقطع به ارتداع فيصير سبباً ليغلظ المعصية، فإن مواقعتها على ذكر من الوعيد، أغلظ من مواقعتها على غفلة وسهو عنه، وقد يحدث بعد المعصية، فأما أن يحدث يوماً عاجلاً أو آجلاً، فيكون قد أفاد خيراً، وأما أن يتبعه سهو ونسيان، فيعود الخائف بعده كما كان.
وقد نبه الكتاب على هذه الأنواع كلها.
فأما الأول فقوله عز وجل: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} أي تخافون لله عظمة.
ولا فرق بين أن يقول السيد لمملوكه: ما لك لا تخاف سلطاني ومملكتي، وبين أن يقول له: ما لك لا تعرف نفسك قدرها، ولا ينزلها منزلة مثلها.
فبين أن الكلامين يراد بهما تقدير حال العبد عند نفسه لئلا يأمن من سطوة سيده، ويدعوه ذلك إلى مفارقة طاعته.
وأما ما هو أبين من هذا فقوله عز وجل: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً * أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} .
فعرفهم أنه لا ينبغي لهم في حال من الأحوال أن يفارقوا طاعته أو يقصروا فيه مستبشرين منه أمر لما يرونه من نعمه السابغة عليهم مقدرين أنه راض منهم بالتستر من الطاعة التي يوفونه من أنفسهم، فإنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون.
بل سبيلهم في الأحوال كلها أن يكونوا مشفقين من سخطه ومؤاخذته، محضرين بقلوبهم أنه إن أراد بهم بلاء سوى دونه ما كان لم يجدوا من يدفعه عنهم ولا من يمنعه بما يهلكهم منهم.
وأما الثاني: فإن الله - عز وجل - أثنى على الذين يدعونه فيقولون: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} وسماهم راسخين في العلم.
ومعلوم أن أحداً لا يدعو فيقول: رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، إلا وهو خائف على الهدى الذي أكرمه الله تعالى به، من أن يسلبه إياه.
كما أن أحداً لا يدعو: رب لا تسلبني سمعي وبصري بعدما جعلتهما لي، وهو خائف عليهما، وجل من ذهابهما.