فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 91372 من 466147

وَمِنْ هَاهُنَا غَلِطَ طَائِفَتَانِ مِنَ النَّاسِ: إِحْدَاهُمَا: زَعَمَتْ أَنَّ التَّوَكُّلَ وَحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ كَافٍ فِي حُصُولِ الْمُرَادِ، فَعُطِّلَتْ لَهُ الْأَسْبَابُ الَّتِي اقْتَضَتْهَا حِكْمَةُ اللَّهِ الْمُوصِلَةُ إِلَى مُسَبِّبَاتِهَا، فَوَقَعُوا فِي نَوْعِ تَفْرِيطٍ وَعَجْزٍ، بِحَسَبِ مَا عَطَّلُوا مِنَ الْأَسْبَابِ، وَضَعُفَ تَوَكُّلُهُمْ مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا قُوَّتَهُ بِانْفِرَادِهِ عَنِ الْأَسْبَابِ، فَجَمَعُوا الْهَمَّ كُلَّهُ، وَصَيَّرُوهُ هَمًّا وَاحِدًا، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ قُوَّةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَكُلَّمَا قَوِيَ جَانِبُ التَّوَكُّلِ بِإِفْرَادِهِ أَضْعَفَهُ التَّفْرِيطُ فِي السَّبَبِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ التَّوَكُّلِ، فَإِنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الْأَسْبَابُ، وَكَمَالُهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ فِيهَا، وَهَذَا كَتَوَكُّلِ الْحَرَّاثِ الَّذِي شَقَّ الْأَرْضَ، وَأَلْقَى فِيهَا الْبِذْرَ، فَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فِي زَرْعِهِ وَإِنْبَاتِهِ، فَهَذَا قَدْ أَعْطَى التَّوَكُّلَ حَقَّهُ، وَلَمْ يَضْعُفْ تَوَكُّلُهُ بِتَعْطِيلِ الْأَرْضِ، وَتَخْلِيَتِهَا بُورًا، وَكَذَلِكَ تَوَكُّلُ الْمُسَافِرِ فِي قَطْعِ الْمَسَافَةِ مَعَ جِدِّهِ فِي السَّيْرِ، وَتَوَكُّلُ الْأَكْيَاسِ مِنَ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَالْفَوْزِ بِثَوَابِهِ، مَعَ اجْتِهَادِهِمْ فِي طَاعَتِهِ، فَهَذَا هُوَ التَّوَكُّلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، وَيَكُونُ اللَّهُ حَسْبَ مَنْ قَامَ بِهِ.

وَأَمَّا تَوَكُّلُ الْعَجْزِ وَالتَّفْرِيطِ، فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، وَلَيْسَ اللَّهُ حَسْبَ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا يَكُونُ حَسْبَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ إِذَا اتَّقَاهُ، وَتَقْوَاهُ فِعْلُ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا، لَا إِضَاعَتُهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت