ونعرف أن"البِشْرَ"عادة هو الفرحة ، وهي تبدو عَلَى بشَرة الإنسان ، فساعة يكون الإنسان فرحا ، فالفرحة تظهر وتُشرق فِي وجهه ولذلك نُسميها"البشارة"، لأنها تصنع فِي وجه المُبشَّر شيئا من الفرح مما يعطيه بريقا ولمعانا وجاذبية.
{وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي أن الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ، فهؤلاء الذين لم يستشهدوا بعد قد يخوضون معركة ما ، فيقول الحق على لسان الشهداء لكل منهم: لا تخف لأنك ستذهب لخير فِي الحياة {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .
وبعد ذلك يقول الحق:
{الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ للَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}
انظر إلى المنزلة العالية كي تعلم أن الهزة التي حدثت فِي أُحُد أعادت ترتيب الذرات الإيمانية فِي نفوس المؤمنين. ولذلك أراد الله ألا يطول أمد الغم على مَن ندموا بسبب ما وقع منهم ، وألا يطول أمد الكفار الذين فرحوا بما أُلحق بالمؤمنين من الضرر فِي المعركة الأخيرة ، هؤلاء المشركون فرحون ، وهؤلاء المسلمون فِي حزن ؛ لأننا قلنا: ما داموا مسلمين ومؤمنين فلهم الحق ، وإن قَصَّروا فعليهم عقوبة ، وسبحانه قد أنزل بهم العقوبة لكن بقي لإسلامهم حق على الله ؛ لأنه أجرى تلك الأقدار ليُهذب ويُمحص ويُربي ، فلا يطيل أمد الغم على المؤمنين ولا يمد الفرحة للكافرين ، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم والحالة كما تعلمون هكذا ، ويؤذن مؤذنه صلى الله عليه وسلم فِي الناس بطلب قريش قائلا:"لا يخرجن معنا إلا من حضر معنا القتال".