والعدل يتحقق بين البشر بأن كلا منهم يموت. ولكن الفضل أن يعجل الله انقضاء الحياة فِي الدنيا لمن يُحبهم بالاستشهاد وينقلهم إلى رضوانه ونعيمه {فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} وليس هذا فقط ، بل إننا نجد الأخوة الإيمانية قد بقيت فيهم وليست كخاصية الأحياء بل أنقى وأبقى من خاصية الأحياء ، فالخاصية الإيمانية تقتضي أن يُحب المؤمن لأخيه ما يُحب لنفسه ، والشهداء فِي حياتهم عند ربهم كذلك ، مما يدل على أن الحياة التي يحياها الشهداء هي حياة نامية فيها رزق ومواجيد وفرح ، وكل شهيد يعتبر أن هذا فضل من الله قد فضله به. ولذلك فالشهيد يستبشر بالذي لم يأت من بعده من إخوانه المؤمنين ويقول: يا ليتهم يأتون ليروا ما نراه.
{وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} : {وَيَسْتَبْشِرُونَ} من البُشرى ، والبشرى هي الخبر السّار {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} ويلحقوا أي يأتوا بعدهم ، فالشهداء يقولون: إنهم سيأتون لنا وما داموا سيأتون لنا فنحن نٌحب أن يكونوا معنا فِي النعيم والخير الذي نحيا فيه. وكل منهم يشعر بالمحبة لأخيه ، لأنه يعلم قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا يكمل إيمان أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم فِي أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب فِي ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن فضلهم قالوا: ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا فِي الجهاد ولا ينكلوا من الحرب.فقال الله - عز وجل -: أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل الله هذه الآيات: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} وما بعدها."