فكان من رحمة الله بالناس ومنته عليهم أن أرسل فيهم نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم لكي يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان إلى نور الهداية والاستقامة والإيمان.
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن غزوة أحد فحكت ما قاله ضعاف الإيمان في أعقابها، وردت عليهم بما يبطل مقالتهم، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم فقال - تعالى:
[سورة آل عمران (3) : الآيات 165 إلى 168]
أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)
فقوله تعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا إلخ كلام مستأنف مسوق لإبطال بعض ما نشأ من الظنون الفاسدة، إثر إبطال بعض آخر تقدم الحديث عنه من فوائد غزوة أحد أنها كشفت عن قوى الإيمان من ضعيفه، ميزت الخبيث من الطيب.
وإذا كان انتصار المسلمين في بدر جعل كثيرا من المنافقين يدخلون في الإسلام طمعا في الغنائم .. فإن عدم انتصارهم في أحد قد أظهر المنافقين على حقيقتهم، ويسر للمؤمنين معرفتهم والحذر منهم.
والهمزة في قوله أَوَلَمَّا للاستفهام الإنكارى التعجيبى. و «الواو» للعطف على محذوف و «لما» ظرف بمعنى حين مضافة إلى ما بعدها مستعملة في الشرط. والمصيبة: أصلها في اللغة الرمية التي تصيب الهدف ولا تخطئه، ثم أطلقت على ما يصيب الإنسان في نفسه أو أهله أو ما له أو غير ذلك من مضار. وقوله مِثْلَيْها أي ضعفها، فإن مثل الشيء ما يساويه. ومثليه ضعفه.
والمعنى: أفعلتم ما فعلتم من أخطاء، وحين أصابكم من المشركين يوم أحد نصف ما أصابهم منكم قبل ذلك في بدر تعجبتم وقلتم أَنَّى هذا أي من أين لنا هذا القتل والخذلان ونحن مسلمون نقاتل في سبيل الله، وفينا رسوله صلّى الله عليه وسلّم وأعداؤنا الذين قتلوا منا من قتلوا مشركون يقاتلون في سبيل الطاغوت.