وقوله: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} جملةٌ مستأنفة مقررة لمضمون ما تقدمها؛ أي: يظهرون بألسنتهم الإيمان الذي ليس في قلوبهم، بل الذي في قلوبهم الكفر، والنفاق، هذه صفة المنافقين لا صفة المؤمنين؛ لأن صفة المؤمن المخلص مواطأة القلب اللسان على شيء واحد، وهو التوحيد. وقال ابن عطية: ذكر الأفواه للتأكيد مثل قوله: يطير بجناحيه.
والمعنى: أنهم أظهروا أمرين ليس في قلوبهم واحدٌ منهما:
أحدهما: عدم العلم بالقتال.
والآخر: الاتباع على تقدير العلم به، وقد كذبوا فيهما، فإنهم عالمون بالقتال غير ناوين للاتباع، بل كانوا مصرين على الانخذال عازمين على الارتداد.
ثم أكد كفرهم ونفاقهم، وبين اشتغال قلوبهم بما يخالف أقوالهم من فنون الشر والفساد، فقال: {وَاللَّهُ} سبحانه تعالى {أَعْلَمُ} ؛ أي يعلم {بِمَا يَكْتُمُونَ} من تفاصيل الأحوال ما لا يعلمه غيره من الكفر، والكيد للمسلمين، وتربص الدوائر بهم، فهو في كل حين يبين مخبآت أسرارهم، ويكشف أستارهم ثم يعاقبهم على ذلك في الدنيا والآخرة.
والخلاصة: أنه لا ينفعهم النفاق، فالله أعلم بما تكنه سرائرهم، وقلوبهم.
168 -وبعد أن ذكر قولًا قالوه قبل القتال، وبين بطلانه، أردفه قولًا قالوه بعده، وبين فساده وقال: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ} ؛ أي: هم الذين قالوا لأجل إخوانهم الذين قتلوا في هذه الواقعة، يعني من قتل يوم أحد من أقاربهم المؤمنين، أو من أمثالهم المنافقين {وَقَعَدُوا} ؛ أي: والحال أن المنافقين القائلين قد قعدوا وجلسوا عن الخروج للقتال مع النبي - صلى الله عليه وسلم - {لَوْ أَطَاعُونَا} ؛ أي: لو أطاع المقتولون إيانا فيما أمرناهم به من القعود، ووافقونا في ذلك، ولم يخرجوا للقتال كما لم نخرج {مَا قُتِلُوا} ؛ أي: لما قتلوا يومئذٍ كما أنا لم نقتل.