الْوَصْفُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَيْ مِنْ جِنْسِهِمْ ، أَيِ الْعَرَبِ ، وَوَجْهُ هَذِهِ الْمِنَّةِ الْخَاصَّةِ الَّتِي لَا تُنَافِي كَوْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَحْمَةً عَامَّةً: هُوَ أَنَّ كَوْنَهُ مِنْهُمْ يَزِيدُ فِي شَرَفِهِمْ وَيَجْعَلُهُمْ أَوَّلَ الْمُهْتَدِينَ بِهِ ; لِأَنَّهُمْ أَسْرَعُ النَّاسِ فَهْمًا لِدَعْوَتِهِ ، وَالنِّعْمَةُ الْعَامَّةُ قَدْ ذُكِرَتْ فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [21: 107] وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا التَّخْصِيصِ بِالْعَرَبِ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ [2: 129] إِلَى آخِرِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَنْفُسِهِمْ هَاهُنَا الْبَشَرُ لَا الْعَرَبُ . أَقُولُ: وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ وَإِنْ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِكَوْنِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْبَشَرِ ، أَمَّا ضَعْفُهُ فَمِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الْآيَةِ مَنْ كَانُوا مُتَّصِفِينَ بِالْإِيمَانِ عِنْدَ نُزُولِهَا فِي عَقِبِ غَزْوَةِ أُحُدٍ وَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ . (ثَانِيهَا) مُوَافَقَةُ دَعْوَةِ أَبَوَيْهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ - ، وَإِنَّمَا دَعَوْا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ، وَذُرِّيَّةُ إِسْمَاعِيلَ هُمُ الْعَرَبُ الْمُسْتَعْرِبَةُ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ . (ثَالِثُهَا) مُوَافَقَةُ آيَةِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي فِي مَعْنَى هَذِهِ