166 -قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ} دَخَلَتْ الفاءُ في {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} ؛ لأن خبر (ما) التي بمعنى (الذي) ، يشبه جواب الجزاء؛ مِنْ جهة أنه مُعَلَّقٌ بالفعل الذي في الصِّلَةِ، كتعلُّقِهِ بالفعل الذي في الشَّرْط. وقد شرحنا هذه المسألة عند قوله: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] .
ومعنى قوله: {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} : قيل: بِعِلْمِ الله. وقال ابن عباس: يريد: فبقضاء الله. وهذا أوْلَى؛ لأن الآية تَسْلِيَةٌ للمؤمنينَ مما أصابهم، ولا تَقَعُ التسليةُ إذا كان واقعًا بِعِلْمِهِ، وإنما تقع؛ إذا كان واقعًا بقضاء الله وقدره، فحينئذٍ يرضون بما قضى عليهم. وفي هذا دليلٌ على أن الكائنات كلَّها تقع على ما قضاه الله في الأزَلِ.
وقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} .
167 - {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} أي: لِيظْهرَ إيمان المؤمنين،
بِثُبُوتِهِمْ على ما نالَهم، ويظْهرَ نفاق المنافقين، بِفَشَلِهم، وقِلَّةِ صبرِهِمْ على ما ينزلُ بهم.
وقد مضت نظائرُ لهذه الآية، وذكرنا معنى عِلْمِهِ فيما لا يزال، مع سبقِ عِلْمِهِ بالكائنات فيما لم يزل.
وقوله تعالى: {نَافَقُواْ} .
يقال: (نافق الرجلُ) ، فـ (هو منافقٌ) : إذا أظهر كلمةَ الإيمانِ، وأضْمَرَ خِلاَفَهَا. و (النِّفَاق) : اسمٌ إسْلامِيٌّ.
واختلفوا في اشتقاقه:
قال أبو عبيد: يقال (نافق اليَرْبُوعُ) ، و (نَفَقَ) . وَ (نَافِقاءُ اليربوع) : أحَدُ جُحْرَيْهِ. وله جُحْرٌ آخر يقال له: (القاصِعَاء) ، فإذا طُلِبَ مِنَ النافقاء، خرج من القاصعاء، وإذا طُلِبَ مِنَ القاصعاء، خَرَجَ مِنَ النافقاء، فقيل للمنافق: (مُنافِقٌ) ، لأن يخرجُ مِنَ الإسلامِ مِنْ غير الوجه الذي دَخَلَ فيه؛ وذلك أنه دَخَلَ عَلاَنِيَةً وخرج سِرًّا.