والثاني: أن معنى قوله: {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} ؛ أي: بخرُوجِكُم مِنَ المدينة، وخلافكم على رسولكم؛ وذلك أنه دعاهم إلى التَحَصُّنِ بالمدينة، وكان قد رأى في المنام أنَّ عليه درْعًا حَصِينَةً، فأوَّلَها: المدينة. فقالوا: كنا نَمْتَنِع في الجاهلية، ونحن اليوم أحقُّ بالامتناع، فأكرهوا رسولَ الله على الخروج. وهذا قول: قتادة، والربيع، وابن عباس - في رواية عطاء - ؛ لأنه قال: يريد: حيث اختلفوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - .
الوجه الثالث: ما روي عن علي - رضي الله عنه - ، أنه قال: جاء جبريلُ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يوم بَدْر، فقال: يا محمدُ: إنَّ الله - تعالى - قد كَرِهَ ما صَنَعَ قومُكَ في أخذهم الفداءَ من الأُسارى، وقد أمرك أن تُخَيِّرَهم بين أن يُقَدِّمُوا الأُسارى فَيَضْرِبُوا أعناقَهم، وبين أن يأخذوا الفداء، على أن يُقْتَلَ منهم عِدَّتُهُم. فَذَكَرَ ذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لقَومِهِ، فقالوا: يا رسول الله: عشائرُنا وإخواننا، لا؛ بل نأخذ فِدَاهم، فنقوى به على قتال العدوِّ، ويُستشهد منّا بعددهم.
فقُتِلَ منهم يوم أحد سبعون رجلًا، عدد أُسارى أهلِ بَدْر. فهو معنى قوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} ؛ أي: بأخْذِكُم الفداء، واختياركم القَتْلَ.
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يعني: مِنَ النَّصْرِ؛ مع طاعتكم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وترك النصر؛ مع مخالفتكم ما أُمرتم به. وقال ابن عباس: يريد: على نَصرِكُم، وعلى اتِّخاذِ الشهداءِ منكم، وتعجيلِ أوليائهِ إلى الجَنَّةِ، قديرٌ.