وأخرج ابن جرير عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون:"إنا فِي جنة حصينة يعني بذلك المدينة فدعوا القوم يدخلوا علينا نقاتلهم فقال له ناس من الأنصار: إنا نكره أن نقتل فِي طرق المدينة وقد كنا نمتنع من ذلك فِي الجاهلية فبالإسلام أحق أن نمتنع فابرز بنا إلى القوم فانطلق فلبس لأمَته فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتم بغيره اذهب يا حمزة فقل له أمرنا لأمرك تبع فأتى حمزة فقال له إنه ليس لنبي إذا لبس لأمَتَهُ أن يضعها حتى يناجز وأنه سيكون فيكم مصيبة قالوا: يا نبي الله خاصة أو عامة ؟ قال: سترونها"واعترض هذا القول بأنه يأباه أن الوعد بالنصر كان بعد اختيار الخروج وأن عمل النبي صلى الله عليه وسلم بموجبه قد رفع الخطر عنه وخفف جنايتهم فيه على أن اختيار الخروج والإصرار عليه كان ممن أكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ ، وأين هم من التفوه بمثل هذه الكلمة ؟ وأجيب بأن الإباء المذكور فِي حيز المنع كيف والنصر الموعود كان مشروطاً بما يعلم الله تعالى عدم حصوله ، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد عمل بموجبه لكن لم تكن نفسه الكريمة صلى الله عليه وسلم منبسطة لذلك ولا قلبه الشريف مائلاً إليه وكأن سهام الأقدار نفذت حين خالفوا رأيه السامي وعدلوا عن الورود من عذب بحر عقله الطامي كما يرشدك إلى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام بعد أن لبس لامَتَهُ:"وإنه سيكون فيكم مصيبة"وقوله فِي جواب الاستفهام عنها:"خاصة أو عامة"؟"سترونها"فإن ذلك كالصريح فِي عدم الرضا والفصيح فِي استيجاب ذلك الاختيار نزول القضاء ، وبأن الخطاب فِي قوله تعالى: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} ليس نصاً فِي أن المتسببين هم المتفوهون بتلك