وهو في السفر مرشد وهاد .. وهو في البيت يعلم أهله السنن والآداب .. وهو في المسجد مدرس وخطيب، وقاضٍ ومفتٍ، وهو في الطريق يستوقفه أضعف الناس ليسأله عن أمر دينه فيقف ليعلمه ويرشده.
وهو في جميع أحواله مرشد وناصح ومعلم.
إلا أنه كثيراً ما كان يعقد لأصحابه المجالس العلمية بالمسجد، حيث يجتمعون فيه في أغلب الأوقات لأداء فريضة الصلاة، فكان يتخولهم بالموعظة تلو الموعظة، والدرس تلو الدرس، حتى لا يملوا ويسأموا.
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. متفق عليه.
فعلى العلماء والدعاة أن يهتدوا بسنته، ويقتدوا بأقواله وأفعاله كما قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } [الأحزاب: 21] .
ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - محجوباً عن رعيته كالملوك، ولا سلطاناً مترفعاً عن الاختلاط بأفراد أمته.
بل كان متقلباً بين ظهرانيهم .. يبلغ رسالة ربه .. ويعود مرضاهم .. ويشيع موتاهم .. ويفصل في قضاياهم .. ويفض منازعاتهم .. ويجيب داعيهم .. ويستقبل أدناهم وأشرفهم .. ويكرمهم بالكلمة الطيبة .. ويواسي محتاجهم.
وهم في كل ذلك مقبلون عليه بآذان صاغية، وقلوب واعية.
وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أصحابه سيخلفونه من بعده، وسيقع على كاهلهم أمر الإرشاد والتعليم والإفتاء والدعوة، فأتى في دروسه العلمية بأمور كان لها أكبر الأثر في توجيه الصحابة وتعليمهم كيف يضطلعون بمهنة التعليم والإرشاد.
فكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا سئل عما لا يعلم سكت حتى يأتيه الوحي من الله بذلك.
وكان من هديه أنه إذا قال كلمة أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه.
وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أنه ربما طرح المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم، وليشحذ أذهانهم للفهم.