قال الماوردي: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى تَحْبِيبِ النِّسَاءِ إِلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ زِيَادَة ٌفِي الابْتِلَاءِ وَالتَكلِيفِ، حَتَّى لَا يَلْهُوَ بِمَا حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنَ النِّسَاءِ عَمَّا كُلِّفَ بِهِ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَلَا يَعْجَزَ عَنْ تحَمُّلِ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَكْثَرَ لِمَشَاقِّه وَأَعْظَمَ لِأَجْرِهِ.
الثَّانِي: لِيَكُونَ خَلْوَاتُهُ مَعَهُنَّ يُشَاهِدُهَا مِنْ نِسَائِهِ، فَيَزُولُ عَنْهُ مَا يَرْمِيهِ الْمشْرِكُونَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ سَاحِر أَوْ شَاعِر، فَيَكُونُ تَحْبِيبُهُنَّ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهِ اللُّطْفِ بِهِ.
وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهِ الابْتِلَاءِ لَهُ، وَعَلَى أَيِّ الْقَوْلَيْنِ كَانَ فَهُوَ لَهُ فَضِيلَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي غَير نَقْصًا، وَهَذَا مِمَّا هُوَ ِبِهِ مَخَصُوصٌ أَيْضًا.
وقال ابن الحاج: فَانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: حُبَّبَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَحْبَبْت، وَقَالَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فَأَضَافَهَا إلَيْهِمْ دُونَهُ - صلى الله عليه وسلم -، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ حُبُّهُ خَاصًّا بِمَوْلَاهُ عزَّ وجلَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم:"وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْني فِي الصَّلَاةِ"، وَمَا ذَاكَ إلَّا لمِا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ المُعَانِي الْعَلِيةِ الشَّرِيفَةِ"فَكَانَ - صلى الله عليه وسلم - بَشَرِيَّ الظَّاهِرِ مَلَكِيَّ الْبَاطِنِ، فَكَانَ - صلى الله عليه وسلم - لَا يَأْتِي إلَى شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ إلَّا تَأْنيسًا لِأُمَّتِهِ، وَتَشْرِيعًا لَهَا، لَا أَنَّهُ مُحتاجٌ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كما تَقَدَّمَ، وَللْجَهْلِ بِهَذه الْأَوْصَافِ الجلِيلَةِ، وَالخِصَال"