وقال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) } (التوبة: 128) .
المعنى السابع: حططنا عنك وزرك الذي سلف منك في الجاهلية.
ذكر ابن جرير عن مجاهد في قول الله: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) } قال: ذنبك. {الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) } قال: أثقل ظهرك.
وذكر بإسناده عن قتادة، في قوله: {أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} وقال: كانت للنبي ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له.
وبإسناده عن ابن زيد قال: شرح له صدرَه، وغفر له ذنبَه الذي كان قبل أن يُنَبأ، فوضعه.
قال ابن كثير: وقوله: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) } بمعنى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح: 2) .
قال الرازي: احتج بهذه الآية من أثبت المعصية للأنبياء عليهم السلام والجواب: عنه من وجهين الأول: أن الذين يجوزون الصغائر على الأنبياء عليهم السلام حملوا هذه الآية عليها، لا يقال: إن قوله: {الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} يدل على كونه عظيمًا. فكيف يليق ذلك بالصغائر.
ونقول: إنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اغتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بوقوعه منه وتحسره مع ندمه عليها.
أما الوجه الثاني: فسنذكره لاحقًا إن شاء الله ضمن أوجه الرد الأخرى.
قال في التسهيل: إنه إن كان ثمَّ ذنب فلن يَخْرُج عن ترك الأَوْلَى، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين (2) وترك الأولى ليس بذنب؛ لأن الأولى وما يقابله مشتركان في إباحة الفعل، والمباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح في عصمتهم ومنزلتهم؛ لأنهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات (3) مما يتقوون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم.
وقال أيضًا: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل وهي صغائر مغفورة لهم لهمهم بها وتحسرهم عليها فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله، وهي خفيفة عند الله، وهذا كما جاء في الأثر إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة تطير فوق أنفه.
وما أخذ على هذا السبيل التحق طاعة وصار قربة.