إن ما ذكر في هذه الشبهة لا يوجد عليه دليل في واقع حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ لو كان كما قيل لعاش عيش الملوك، في القصور والبيوت الفارهة، واتخذ من الخدم والحراس والحشم؛ بينما الواقع يشهد بخلاف ذلك، إذ كان في شظفٍ من العيش، مكتفيًا بما يقيم الحياة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَقَالَ يَا نَبِيَّ الله لَوْ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا فَقَالَ مَا لِي وَللدُّنْيَا مَا مَثَلي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا.
وِفي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَدَمٍ وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَبِيتُ اللَّيَالي المُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً.
قَالَ: وَكَانَ عَامَّةُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ.
عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - نَارٌ فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ؛ التَّمْرُ وَالمَاءُ.
الوجه الثاني: زهد النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أعظم دليل على بطلان حمق هذه الشبهة.
ثم إن هذه الشبهة تتناقض مع الزهد الذي عُرِفَ به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحث عليه أصحابَه - رضي الله عنهم - ففي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم:: اللهمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا.