قال القرطبي: إن قال قائل: ما ذكرتم من كراهية السؤال والنهي عنه، يعارضه قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] فالجواب: أن هذا الذي أمر الله به عباده هوما تقرر وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والذي جاء فيه النهي هو ما لم يتعبد الله عباده به، ولم يذكره في كتابه. والله أعلم.
قال ابن عبد البر: السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله، فمن سأل مستفهما راغبًا في العلم، ونفي الجهل عن نفسه، باحثًا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به؛ فشفاء العي السؤال، ومن سأل متعنتًا غير متفقه ولا متعلم؛ فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيرة.
قال ابن العربي: الذي يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِبَسْطِ الْأَدِلَّةِ، وَإِيضَاحِ سُبُلِ النَّظَرِ، وَتَحْصِيلِ مُقَدَّمَاتِ الاجْتِهَادِ، وَإِعْدَادِ الْآلَةِ المُعِينَةِ عَلَى الاسْتِمْدَادِ؛ فَإِذَا عَرَضَتْ النَّازِلَةُ أَتَيْت مِنْ بَابِهَا، وَنُشِدَتْ فِي مَظَانِّهَا، وَالله يَفْتَحُ فِي صَوَابِهَا.
الوجه الرابع: إجابة القرآن على الأسئلة التي كانت توجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها ما ينفع.
فلقد وجه للنبي - صلى الله عليه وسلم - أسئلة كثيرة وأجاب القرآن عنها ولم يتركها هملًا.
وها هي بعض الأمثلة على ذلك:
1 - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ... } [البقرة: 219]
2 - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) } [الأنفال: 1] .
وغيرها كثير. فما ترك لنا هذا الدين الحنيف شيئًا إلا ووضحه وبينه، وصدق الله إذ يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .
أما عن قولهم في قوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} فيه نهي عن السؤال.