قال القاسمي: قال بعض الأئمة والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نص على قسمين:
أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب لا مكروه؛ بل ربما كان فرضًا على من تعين عليه من المجتهدين.
ثانيهما: أن يدقق النظر في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس؛ بأن يجمع بين متفرقين بوصف طردي مثلًا فهذا الذي ذمه السلف. وعليه ينطبق حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"هلك المتنطعون" (4) فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرفُ فيها زمانٌ كان صرفه في غيرها أولى؛ ولا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه، وأشد من ذلك كثرة السؤال للبحث عن أمور مغيبة، ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها، ومنها لا يكون له شاهد في عالم الحس، كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح وعن مدة هذه الأمة ... إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل، الصرف والكثير منه لم يثبت منه شيء؛ فيجب الإيمان به من غير بحث، وأشد من ذلك: ما يوقع كثرة البحث
عنه في الشك والحيرة.
قال الشاطبي: الإكثار من الأسئلة مذموم، والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة ... ثم ساق الأدلة التي ذكرناها ثم قال:
ويتبين من هذا أن لكراهية السؤال مواضع نذكر منها عشرة مواضع:
أحدها: السؤال عما لا ينفع في الدين كسؤال عبد الله بن حذافة من أبي؟
قال: أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته كما سأل الرجل عن الحج أكل عام مع أن قوله - تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ} البيت قاض بظاهره؛ أنه للأبد لإطلاقه، ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} .
ثالثها: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، وكان هذا والله أعلم خاص بما لم ينزل فيه حكم وعليه يدل قوله:"ذروني ما تركتكم"، وقوله:"وسكت عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها".