والمرض الذي لا نقص فيه في الدنيا يقع للأنبياء ويزيد في درجاتهم في الآخرة عليهم الصلاة والسلام وحينئذ فإذا خيل له بسبب مرض السحر أنه يفعل شيئًا من أمور الدنيا وهو لم يفعله ثم زال ذلك عنه بالكلية بسبب اطلاع الله تعالى له على مكان السحر وإخراجه إياه من محله ودفنه فلا نقص يلتحق الرسالة من هذا كله لأنه كسائر الأمراض، لا تسلط له على عقله بل هو خاص بظاهر جسده كبصره حيث صار يخيل إليه تارة فعل الشيء من ملامسة بعض أزواجه وهو لم يفعله وهذا في زمن المرض لا يضر.
وليس هذا مما يجتر الناس به إلى أنفسهم نفعًا ولا يصرفون عنها ضرًا ولا يكسبون به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثناء ومدحًا ولا حملة هذا الحديث كذابين ولا متهمين ولا معادين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وما ينكر أن يكون لبيد بن الأعصم هذا اليهودي سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قتلت اليهود قبله زكريا بن آذن في جوف شجرة قطعته قطعًا بالمناشير.
وذكر وهب بن منبه أو غيره أنه - صلى الله عليه وسلم - لما وصل المنشار إلى أضلاعه أن فأوحى الله تعالى إليه إما أن تكف عن أنينك، وإما أن أهلك الأرض ومن عليها وقتلت بعده ابنه يحيى
بقول بغي واحتيالها في ذلك. ولو لم يقل الله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} لم نعلم نحن أن ذلك شبهه لأن اليهود أعداؤه وهم يدعون ذلك والنصارى أولياؤه وهم يقرون لهم به وقتلت الأنبياء وطبختهم وعذبتهم أنواع العذاب ولو شاء الله جل وعز لعصمهم منهم وقد سم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذراع شاة مشوية سمته يهودية فلم يزل السم يعاده حتى مات وقال - صلى الله عليه وسلم: ما زالت أكلة خيبر تعادني فهذا أوان انقطاع أبهري فجعل الله تعالى لليهودية عليه السبيل حتى قتلته ومن قبل ذلك ما جعل الله لهم السبيل على النبيين والسحر أيسر خطبًا من القتل والطبخ والتعذيب.
وقد ثبت في"الصحيحين"عن عائشة - رضي الله عنه - أنها قالت: سُحِرَ - صلى الله عليه وسلم - حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن"."