قال الرازي: المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان؛ وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات، وذلك الاستحياء صار مانعًا لهم عن قبول الإيمان فقال تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل، يعني أولى الناس؛ بأن لا يشك في نبوته هو نفسه، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلًا على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة؛ فإنه ليس فيه عيب، ولا يحصل بسببه نقصان، فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه، فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات.
الوجه الثاني عشر: أن يكون هذا السياق إخبار عن عدم شكه - صلى الله عليه وسلم - أن يكون التقدير أنك لست شاكًا ألبتة ولو كنت شاكًا لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (الأنبياء: 22) والمعنى أنه لو فرض ذلك الممتنع
واقعًا، لزم منه المحال الفلاني فكذا هاهنا. ولو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والإنجيل؛ لتعرف بهما أن هذا الشك زائل، وهذه الشبهة باطلة.
الوجه الثالث عشر أن هذا الخطاب ليس للنبي - صلى الله عليه وسلم - أصلًا.
تقريره أن الناس في زمانه كانوا فرقًا ثلاثة، المصدقون به، والمكذبون له، والمتوقفون في أمره الشاكون فيه، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد، فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وحد الله تعالى ذلك وهو يريد الجمع، كما في قوله: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ} (الإنفطار: 6، 7) و {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ} .