الوجه العاشر: هو أن محمدًا عليه - صلى الله عليه وسلم - كان من البشر، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات، فهو - عز وجل - أنزل هذا النوع من التقريرات، حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس، ونظيره قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} (هود: 12) وتمام التقرير في هذا الباب أن قوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} فافعل كذا وكذا، قضية شرطية، والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بأن الشرط وقع، أو لم يقع، ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك
الجزاء فقط، والدليل عليه أنك إذا قلت إن كانت الخمسة زوجًا كانت منقسمة بمتساويين، فهو كلام حق؛ لأن معناه أن كون الخمسة زوجًا، يستلزم كونها منقسمة بمتساويين، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج، ولا على أنها منقسمة بمتساويين، فكذا هاهنا هذه الآية، تدل على أنه لو حصل هذا الشك، لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا، فأما إن هذا الشك وقع أو لم يقع، فليس في الآية دلالة عليه، والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن تكثير الدلائل وتقويتها، مما يزيد في قوة اليقين، وطمأنينة النفس، وسكون الصدر، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة.
الوجه الحادي عشر: أن المقصود بهذا الكلام استمالة قلوب الكفار ورفع الحرج عفهم في السؤال والمناظرة.