قال الطبري: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم: نحن نقص عليك يا محمد أحسن القصص بوحينا إليك هذا القرآن، فنخبرك فيه عن الأخبار الماضية، وأنباء الأمم السالفة، والكتب التي أنزلناها في العصور الخالية، وإن كنت من قبله لمن الغافلين، أي: وإن كنت يا محمد من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك، لا تعلمه ولا شيئًا منه.
وقال الآلوسي: {وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ} أي: قبل إيحائنا إليك ذلك {لَمِنَ الْغَافِلِينَ} عنه لم يخطر ببالك ولم يقرع سمعك، وهذا تعليل لكونه موحى كما ذكره بعض المحققين.
فلم يكن - صلى الله عليه وسلم - ينطق من تلقاء نفسه بل إنما كان ينطق بالوحي كما قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) } (النجم: 3 - 4) أي ما نطقه إلا وحي يوحى، وهذا مطابق لقول المسيح: إنه لا يتكلم من تلقاء نفسه، بل إنما يتكلم بما يوحى إليه، والله تعالى أمره أن يبلغ ما أنزل إليه، وضمن له العصمة في تبليغ رسالاته.
الوجه الثاني: أن في هذه الآية إجلالًا لشأن النبي - صلى الله عليه وسلم - من جهتين:
الأولى: أن التعبير عن عدم العلم بالغفلة لإجلال شأن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثانية: العدول عن لـ (غافلًا) إلى ما في النظم الجليل من قوله: لمن الغافلين عند بعض.
الوجه الثالث: أن المقصود (بهذا) الإشارة إلى غرابة القصة:
حيث إن الشيء إذا كان بديعًا، وفيه نوع غرابة إذا وقف عليه قيل للمخاطب: كنت عن هذا غافلًا، فيجوز أن يقصد الإشارة إلى غرابة تلك القصة فيكون كالتأكيد لما تقدم.
الوجه الرابع: ومنهم من قال: المراد أنه كان من الغافلين عن الدين والشريعة، قبل ذلك كما قال تعالى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} (الشورى: 52) .
الثاني: أن هذه الآية كسابقتها مسوقة في سياق المنة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا في سياق اتهامه كما سبق.