في صحيح مسلم أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ، الله أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ:"فِي النَّارِ، فَلَمَّا قَفَّي دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ".
وفي صحيح مسلم أيضًا أنه قال:"اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي".
وفي الحديث الذي في المسند وغيره قال:"إن أمي مع أمك في النار".
فإن قيل: هذا في عام الفتح والإحياء كان بعد ذلك في حجة الوداع، ولهذا ذكر ذلك من ذكر، وبهذا اعتذر صاحب التذكرة، فهذا باطل من وجوه:
الأول: أن الخبر عما كان ويكون، لا يدخله نسخ، كقوله سبحانه في أبي لهب: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) } (المسد: 3) ، وكقوله في الوليد: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) } (المدثر: 17) ، وكذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ"و"إنَّ أُمِّي وَأُمَّكَ فِي النَّار". وهذا ليس خبرًا عن نار يخرج منها صاحبها كأهل الكبائر؛ لأنه لو كان كذلك لجاز الاستغفار لهما، ولو كان قد سبق في علم الله إيمانهما لم ينهه عن ذلك؛ فإن الأعمال بالخواتيم، ومن مات مؤمنًا، فإن الله يغفر له فلا يكون الاستغفار له ممتنعًا.
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زار قبر أمه؛ لأنها كانت بطريقه بالحجون عند مكة عام الفتح، وأما أبوه فلم يكن هناك، ولم يزره، إذ كان مدفونًا بالشام في غير طريقه، فكيف يقال: (أحيي له) ؟!
الثالث: أنهما لو كانا مؤمنين إيمانًا ينفع، كانا أحق بالشهرة والذكر من عميه: حمزة والعباس، وهذا أبعد مما يقوله الجهال من الرافضة ونحوهم، من أن أبا طالب آمن، ويحتجون بما في السيرة من الحديث الضعيف، وفيه أنه تكلم بكلام خفي وقت الموت.
ولو أن العباس ذكر أنه آمن لما قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ:"نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ".