الوجه الثالث: اتخاذه - صلى الله عليه وسلم - كتبة للوحي دليل بارز على أميته؛ إذ لو لم يكن كذلك لكتب القرآن بنفسه فإن قيل: ذلك عسير عليه أن يكتبه بمفرده قلنا: لا عسر في ذلك فالقرآن نزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة، وكثير من الصحابة كتبوا مصاحف لخاصة أنفسهم، وإذا لم يتفرد بهذا فلا أقل من أن يقوم معاونًا للكتبة مشاركًا لهم؛ فإذا لم يفعل - صلى الله عليه وسلم - هذا مع توفر الدواعي إلى مثله، فقد دل على أنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وقد مضى أنه أرسل إلى زيد بن ثابت ليكتب له {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} .
الوجه الرابع: كان - صلى الله عليه وسلم - يعاجل جبريل بالقراءة عند نزوله عليه بالقرآن خشية أن يتفلت منه فضمن الله له الحفظ وأنزل عليه قوله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) } (القيامة: 16 - 18) . والشاهد أنه لو كان كاتبًا قارئا لما خشي ذلك؛ لأن عليه فقط أن يُدون ما نزل ليرجع إليه عند الحاجة؛ ولأن ذلك لم يحدث فقد دل على أنه أمي.
الوجه الخامس: في فداء أسرى بدر جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فداء الواحد منهم أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين، وهذا تنبه منه - صلى الله عليه وسلم - إلى أهمية العلم، فنحن مطالبون به ديانة، وعليه فلو كان مجيدًا للقراءة والكتابة، لقام بتعليم الصحابة وأبناءهم ضرورة، أنه معلم الأمة؛ فإن قيل: كان من
الممكن أن يعهد بذلك لأحد المسلمين القارئين الكاتبين قلنا: لم يكن واحد منهم ليؤثر في المتلقين تأثير النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم وهذا معروف، فلما لم يحدث هذا فقد دل على أميته.
الشبهة السادسة عشر: ذكر القاضي عياض عن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له:"ألق الدواة، وحرف القلم، وأقم الباء، وفرق السين، ولا تُعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم."
والرد على ذلك من وجوه: وذلك بذكر الأحاديث التي تتعلق بتلك الشبهة: