فصدق إخباره بذلك، إذ الحكم للغالب، فنفى عنه وعن (أمته) الكتابة والحساب لندور ذلك فيهم وقلته، وإلا فقد كان فيهم كتاب الوحي وغير ذلك، وكان فيهم من يحسب، وقال تعالى: {وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} (الإسراء: 12) ، ومن علمهم الفرائض، وهي تحتاج إلى حساب وعول، وهو - صلى الله عليه وسلم - فنفى عن الأمة الحساب. فعلمنا أن المنفي كمال علم ذلك ودقائقه التي يقوم بها القبط والأوائل؛ فإن ذلك ما لم يحتج إليه دين الإسلام ولله الحمد؛ فإن القبط عمقوا في الحساب والجبر، وأشياء تضيع الزمان، وأرباب الهيئة تكلموا في سير النجوم، والشمس، والقمر، والكسوف، والقرآن بأمور طويلة لم يأت الشرع بها، فلما ذكر - صلى الله عليه وسلم - الشهور ومعرفتها، بين أن معرفتها ليست بالطرق التي يفعلها المنجم وأصحاب التقويم، وأن ذلك لا نعبأ به في ديننا، ولا نحسب الشهر بذلك أبدًا. ثم
بين أن الشهر بالرؤية فقط، فيكون تسعًا وعشرين، أو بتكملة ثلاثين، فلا نحتاج مع الثلاثين إلى تكلف رؤية.
الوجه الخامس: ذكر من قال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب بيده في صلح الحديبية.
ومنهم السمناني وأبو ذر والباجي: وذكروا أنه كتب من غير تعلم لكتابة ولا تعاط لأسبابها؛ وإنما أجرى الله تعالى على يده كمعجزة، وأنه ما زال بعد ذلك لا يقرأ ولا يكتب.
قال السمناني، وأبو ذر، والباجي (2) : وظاهر هذا أنه - صلى الله عليه وسلم - محا تلك الكلمة التي هي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده وكتب مكانها ابن عبد الله وقد رواه البخاري بأظهر من هذا فقال: فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب فكتب وزاد في طريق أخرى: ولا يحسن أن يكتب فقالوا بجواز هذا الظاهر عليه وأنه كتب بيده. ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أميا ولا معارَض بقوله {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) } ولا بقوله:"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب".
بل رأوه زيادة في معجزاته. واستظهارا على صدقه، وصحة رسالته، وذلك أنه كتب من غير تعلم لكتابة ولا تعاط لأسبابها.