والسؤال: لو أن تلامذة هذا النبي المقربين إليه لم يستطيعوا أن يتعلموا القراءة والكتابة لكبر سِنِّهم، أو لانشغالهم بطلب السعي على رزق أولادهم، هل معنى ذلك أنهم سيُحرمون من اجتياز المرحلة الأولى، وأنهم لن يستطيعوا أن يتعلموا الدين؟.
فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فادعاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُرسِل أولًا ليعلم الناس القراءة والكتابة، حتى يتسنى لهم أن يقرؤا القرآن من المصحف ادعاء باطل، ويظهر بطلانه؛ أنه لا بد أن يكون كل من يدخل الجنة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يشترط أن يكون قارئًا كاتبًا، وأما غير ذلك فالنار أولى به.
قال الرازي: ما كان يفعله - صلى الله عليه وسلم - هو: الوعد والإيعاد، والوعظ والتذكير، وتكرير ذلك عليهم، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة، ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم، وأنه أوتي مكارم الأخلاق. قوله: {وَيُزَكِّيهِمْ} فأول معاني التزكية، قال الحسن: يزكيهم: يطهرهم من شركهم، فدلت الآية على أنه سيكون في ذرية إسماعيل جهال، لا حكمة فيهم، ولا كتَّاب، وأن الشرك ينجسهم، وأنه تعالى يبعث فيهم رسولًا منهم، يطهرهم ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم. وثانيها: التزكية: هي الطاعة لله
والإخلاص عن ابن عباس - رضي الله عنه -. وثالثها: ويزكيهم عن الشرك وسائر الأرجاس، كقوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} .
الوجه الثالث: معنى امتنان الله على الأمة ببعث نبي أمي
قال الماوردي: فإن قيل ما وجه الامتنان فإنه بعث نبيًّا أمِّيًا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء.
الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. (ربما ذلك لأن هناك من الأنبياء من كان أميًا، فإذًا الأمية غير ممتنعة على الأنبياء) .
الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعي إليه من الكتب التي قرأها، والحكم التي تلاها. وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته - صلى الله عليه وسلم -.