مَا يُرْتَقَى عَلَيْهِ وَهِيَ لِلْمُرْتَقِينَ مِنْ أَهْلِ الرِّضْوَانِ ، وَالدَّرَكَاتُ مَا يُتَدَلَّى فِيهِ ، وَهِيَ لِلْمُتَدَلِّينَ مِنْ أَهْلِ السُّخْطِ وَالْخِذْلَانِ ، كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [2: 253] وَفِي الثَّانِي: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [4: 145] قَالَ الرَّاغِبُ: الدَّرْكُ كَالدَّرَجِ ، لَكِنَّ الدَّرَجَ يُقَالُ اعْتِبَارًا بِالصُّعُودِ وَالدَّرْكُ اعْتِبَارًا بِالْحُدُورِ ; وَلِهَذَا قِيلَ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ وَدَرَكَاتُ النَّارِ وَلِتَصَوُّرِ الْحُدُودِ فِي النَّارِ سُمِّيَتْ هَاوِيَةً . (قَالَ) : وَالدَّرْكُ (بِسُكُونِ الرَّاءِ) أَقْصَى قَعْرِ الْبَحْرِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْجَزَاءِ عِنْدَ اللهِ كَمَا يَتَفَاوَتُونَ هُنَا فِي الْعِرْفَانِ وَالْفَضَائِلِ ، وَفِي الْجَهْلِ وَالرَّذَائِلِ ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ . وَهَذَا التَّفَاوُتُ عَلَى مَرَاتِبَ وَدَرَجَاتٍ يَعْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا مِنَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى الَّذِي كَانَ يَطْلُبُهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَبِّهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ إِلَى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ الَّذِي وَرَدَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ - وَذُكِرَ آنِفًا - وَهَذِهِ الدَّرَجَاتُ لَا تَكُونُ فِي الْآخِرَةِ عَطَاءً مُؤْتَنَفًا وَكَيْلًا جُزَافًا ، وَإِنَّمَا تَكُونُ أَثَرًا طَبِيعِيًّا لِارْتِقَاءِ الْأَرْوَاحِ وَتَدَلِّيهَا هُنَا بِالْأَعْمَالِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهَا: وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ فَهُوَ لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، وَمَا لَهَا مِنَ التَّأْثِيرِ