وهذه القراءة اختيار ابن عباس، كان يقرأ (يَغُلّ) بفتح الياء، فقيل له: إنَّ ابن مسعود يقرأ: {يُغَلّ} ، فقال ابن عباس: قد كان النبي يُقتَل، فكيف لا يُخَوَّنُ؟.
والقراءة الثانية: {يُغَلّ} بضم الياء، وفتح الغين.
وهذه القراءة تحتملُ وجهين: أحدهما: أن يكون من (الغُلُول) . والثاني: أن يكون من (الإغلال) .
فإن جعلتها من (الغُلُول) احتملت معنيين: أحدهما: أن معنى قوله: {وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يُغَلّ} ؛ أي: ليس لأحدٍ أن يَغُلَّهُ، فيأخذ مِنَ الغنيمة التي حازها على طريق الخيانة، وإن كان لا يجوز أن يُغَلّ غيرُ النبيِّ، مِن إمام المسلمين وأميرٍ لهم.
وفائدة تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذِّكْر: أن الغُلُول يَعْظُمُ بحضرته، ويكبر كِبَرًا لا يكبر عند غيره؛ لأن المعاصي بحضرته أعظم.
المعنى الثاني: أن تكون (أَنْ) مع الفعل، بمنزلة المصدر؛ كما ذَكَرْنا في القراءة الأولى. ويكون المعنى: ما كان لِنَبيٍّ غُلولٌ من المُتَحقِّقِينَ بِنُبُوَّتِهِ؛ أي: لم يَخُنْهُ أصحابُهُ وأنصارُهُ، ويكون في هذا ذَمٌّ لِمَن خانَه.
يُؤكِّد هذا المعنى ما روى عطاءٌ عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يَغُلَّ} ؛ يريد: أن يكون ممن يَصْحَبُهُ، أحدٌ يَغُلُّ ويَسْتَحلُّ الغُلُولَ.
وإن أخذت بهذه القراءةِ مِنَ (الإغْلال) ، احتَمَلَتْ - أيضا - معنيين:
أحدهما: أن يكون (الإغلال) بمعنى (الغُلول) . يقال: (غَلّ الرجلُ مِنَ الغنيمة، يَغل غَلًّا، وغلولًا) ، و (أَغَلّ إغلالًا) : إذا سَرَق منها. ذكره الزّجاج في باب الوفاق ومِن هذا يقال: (أغَلّ الجازِر، والسَّالِخُ) : إذا أبْقَى في الجِلْدِ شيئًا مِنَ اللَّحْمِ؛ على طريقِ السَّرِقَةِ والخيانة.
قال النَّمْر بن تَوْلَب:
جَزَى اللهُ عنَا جَمْرَةَ ابْنَةَ نَوْفَلٍ ... جَزاءَ مُغِلٍّ بالأمانَةِ كاذبِ
وقال آخر: