المُستشِير برأي المُستشَار ، أو لئلا يُلام إذا استبدَّ بالأمر ، فيتفق
وقوعه بخلاف المراد ، ولهذا قيل: الاستشارة حصنٌ من الندامة.
وأمن من الملامة ، وتارةً طلبا لهداية المستشار ، إما لأن يتبين له
خطأ رأيه إن كان له رأي خطأ فِي ذلك الأمر ، وإمّا أن لا يعتقد هو
أو غيره أن الاستبداد فضيلة فيستبد برأيه فيما ربما يؤذي إلى
فساد: إما لإِكرامه أو تعظيمه ، فإذا تقرر هذا فأمور النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تنفكّ: إما أن تكون شيئاً دينيَّا أو دنيويًّا.
فإن كان دينيا فمعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير محتاج إلى الاستضاءة برأي غيره من البشر ، لما أمدّه الله تعالى به من النور الإِلهي ، وما كان يستشيرهم فِي أصول الشريعة ، لكن ربما كان يستشيرهم فِي شيء من فروعها ، التي هي من مسائل الاجتهاد لنا ، نحو ما رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استشار
إصحابه فِي شعارٍ يرفع للصلاة ، ومثل ذلك تشريف لهم أولا.
وتنبيه أن ما سبيله الاجتهاد فحقُّه الاستعانة فيه بالآراء الكثيرة
الصحيحة ، لينقدح منها الصواب ، وأمّا ما كان من الأمور
الدنيوية كالمساحة والكتابة والحساب ، فمعلوم أنه كان مستغنياً
بغيره فِي كثير منها ، بل قد صرّح فِي ذلك بقصوره (1) فيما رُوي أنه
(1) الأولى مراعاة الأدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ثَمَّ كان الأولى عدم استخدام هذه العبارة. والله أعلم.