وثانيها: أن ما هو من هذا القبيل فِي التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل كقوله: {مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله} [يوسف: 38] و {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ} [يوسف: 76] {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [آل عمران: 145] {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} [التوبة: 115] {وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب} [آل عمران: 179] وقل أن يقال: ما كان زيد ليضرب ، وإذا كان كذلك وجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب ، ويؤكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة ، وقال: ليس فِي الكلام ما كان لك أن تضرب ، بضم التاء.
وثالثها: أن هذه القراءة اختيار ابن عباس: فقيل له إن ابن مسعود يقرأ (يغل) فقال ابن عباس: كان النبي يقصدون قتله ، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة ؟ وأما القراءة الثانية وهي (يغل) بضم الياء وفتح الغين ففي تأويلها وجهان: الأول: أن يكون المعنى: ما كان للنبي أن يخان.
واعلم أن الخيانة مع كل أحد محرمة ، وتخصيص النبي بهذه الحرمة فيه فوائد:
أحدها: أن المجني عليه كلما كان أشرف وأعظم درجة كانت الخيانة فِي حقه أفحش ، والرسول أفضل البشر فكانت الخيانة فِي حقه أفحش.
وثانيها: أن الوحي كان يأتيه حالا فحالا ، فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا.
وثالثها: أن المسلمين كانوا فِي غاية الفقر فِي ذلك الوقت فكانت تلك الخيانة هناك أفحش.