وعلى قدر نية العبد وهمته ورغبته في ذلك، يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة تنزل من الله على عباده بقدر همهم ورغبتهم ورهبتهم.
والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك.
والله بصير بالعباد .. وهو الحكيم العليم .. يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به .. ويضع الخذلان في مواضعه اللائقة به.
وما أُتي من أتي إلا من قِبل إضاعته الشكر والافتقار والدعاء.
وما ظفر من ظفر بتوفيق الله وعونه إلا بقيامه بالشكر والافتقار والدعاء.
وملاك ذلك كله الصبر، فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
وقد ضل أكثر الخلق عن باب التوفيق:
إما لاشتغالهم بالنعمة عن شكر المنعم بها .. أو رغبتهم في العلم وتركهم العمل .. أو المسارعة إلى الذنب وتأخير التوبة .. أو الاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بأفعالهم .. أو إدبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها .. أو إقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها .. أو الاهتمام بالعادات والتقاليد وترك السنن
والآداب.
والناس في الحياة قسمان:
أحدهما: من قابلوا أمر الله بالترك ونهيه بالارتكاب، وعطاءه بعدم الشكر ومنعه بالتسخط، ولم يستجيبوا لله والرسول.
فهؤلاء أعداء الله ورسوله، وهم شر البرية، وليس بينهم وبين النار إلا ستر الحياة، فإذا مزقه الموت، صاروا إلى الحسرة والعذاب الأليم.
وهؤلاء أكثر الخلق كما قال سبحانه: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) } [يوسف: 103] .
وهؤلاء هم الأشقياء في الدنيا، المخلدون في النار يوم القيامة كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) } [البينة: 6] .
الثاني: قسم قالوا: أنت ربنا ونحن عبيدك، فإن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة، وإن نهيتنا أمسكنا عما نهيتنا عنه، وإن أعطيتنا حمدناك وشكرناك، وإن منعتنا تضرعنا إليك وذكرناك.