وأيضاً رحمة المخلوق على غيره لن تتم ولن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر الأسباب السماوية من سلامة الأعضاء وغيرها . فلا رحمة إلا بإعانة الله وتوفيقه بربطه على جأش الراحم وضبطه حال المرحوم . ثم بيّن أن الحكمة فِي لين جانبه ماهي لفقال: {ولو كنت فظاً} سيء الخلق وأصله فظظ كحذر . فظظت يا رجل بالكسر فظاظة {غليظ القلب} قاسية بحيث لا يتأثر عن شيء يوجب الرقة والعطف {لانفضوا من حولك} لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد والتركيب يدل على التفريق ومنه"فض الختام". ويقال: لا يفضض الله فاك أي أسنانك . ومنهم من حمل الآية على واقعة أحد فقال: {فبما رحمة من الله لنت لهم} يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام {ولو كنت فظاً غليظ القلب} تشافههم بالملامة على ذلك {لانفضوا من حولك} هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم . وههنا دقيقة هي أن اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ولهذا أمر بالغلظة فِي قوله: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التحريم: 9] وقال فِي إقامة حد الزنا: {ولا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النور: 2] ومثله {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] {أشداء على الكفار رحمخاء بينهم} [الفتح: 29] فيعلم من المدح على اللين فِي موضع ومن الأمر بالغلظة فِي موضع آخر أن الفضيلة فِي الوسط وهو استعمال كل شيء فِي موضعه ، وأن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان ، ومنه المثل"لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى". واحتجت الأشاعرة بالآية فِي مسألة القضاء والقدر . وذلك أن حسن خلقه مع الخلق إنما كان بسبب رحمة الله ، وهي عند المعتزلة عامة فِي حق جميع المكلفين . فكل ما فعله مع محمد صلى الله عليه وسلم من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد فقد فعل مثل ذلك مع فرعون وهامان