واعلم أن من عرف سر الله فِي القدر هانت عليه المصائب ، فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية كلها مستندة إلى الأسباب الإلهية ، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر ، فلا جرم إذا فاته مطلوب له لم يغضب ، وإذا حصل له مطلوب لم يأنس به لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات ، فلا ينازع أحداً فِي هذا العالم فِي طلب شيء من لذاتها وطيباتها ، ولا يغضب على شيء بسبب فوات شيء من مطالبها ، فيكون حسن الخلق طيب العشرة مع الخلق . ولما كان صلى الله عليه وسلم أكمل البشر فِي القوتين النظرية والعملية وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، وجب أن يكون أكمل الناس خلقاً وذلك من فضل الله ورحمته على الناس كما قال: {فبما رحمة من الله لنت لهم} و"ما"مزيدة للتوكيد . أما الحكم بزيادتها فللنظر إلى أصل المعنى . وعمل حرف الجر فيما بعدها فكأنه قال: فبرحمة . وأما إفادتها التوكيد فلاستحالة زيادة حرف لا فائدة فيه أصلاً . وجوز بعضهم أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة . وإنما كان لينه ورفقه رحمة من الله لأن الدواعي والقصود والإرادات كلها بفعل الله تعالى . فلا رحمة بالحقيقة الإله . ولا رحيم إلا هو ، لأن كل رحيم سواه فإنه يستفيد برحمتته عوضاً كالخوف من العقاب ، أو الطمع فِي الثواب ، أو الثناء ، أو يحمله على ذلك رقة طبع أو حمية أو عصبية إلى غير ذلك من الإعراض .